عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف
693
إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت
كلاما ، فأخبروه ، فلم يزد على أن قال : أو قد فعلوها ؟ ! قالوا : نعم . فرفع يديه إلى السّماء وقال : ( قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) « 1 » . فما أشبه هذا بذاك . لا ينفذ إلى فعله التّعليل ، ولا يحتاج شيء منه إلى التّأويل ؛ إذ صار هواه تبعا لما جاء به نبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فجاء فيه موضع قول ابن كناسة في إبراهيم بن أدهم [ من الطّويل ] : أمات الهوى حتّى تجنّبه الهوى * كما اجتنب الجاني الدّم الطّالب الدّما سروره في إقبال الخلق على اللّه ، وحزنه في إعراضهم عنه ، حتّى لقد كان سبب موته من هذا الباب . وكان كثير الأخذ عن المشايخ ، جمّ الحرص على الاستكثار من الأسانيد والاتّصال بسلاسل الرّجال وأئمّة الحديث والطّريق . وقد اجتمع له ولي بفضله - رضوان اللّه عليه - ما لا يوجد عند أحد من أهل عصره ، وللّه الحمد . وكان في أيّام أستاذه الأبرّ عيدروس بن عمر يتردّد عليه من أيّام والده « 2 » عن أمره في كلّ ثلاث ماشيا ، وبينهما نحو من أربعة أميال أو أكثر ، ولقد أراد أخوه في اللّه الشّيخ عوض بن عمر شيبان السّابق ذكره في الغرفة أن يشتري له مركوبا ، فأبى وقال : لو أحسست بتعب . . لقبلت . ولقد كاد أن يخرج عن إهابه من الطّرب ؛ إذ تمثّلت له عند مثل هذا الكلام بقول العبّاس بن الأحنف [ من البسيط ] : أرى الطّريق قريبا حين أسلكه * إلى الحبيب بعيدا حين أنصرف وقول الآخر [ كثيّر عزّة في « ديوانه » 109 من الطّويل ] : وكنت إذا ما جئت ليلى أزورها * أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها « 3 »
--> ( 1 ) حلية الأولياء ( 2 / 111 ) . ( 2 ) أي : الحبيب محسن بن علوي ، المتوفى سنة ( 1291 ه ) ، وعمر المترجم حينذاك ( 30 ) عاما . ( 3 ) في « الديوان » : ( سعدى ) بدل : ( ليلى ) .